الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في مجلس جديد.. إرث قديم وأسئلة معلّقة

بقلم: ماهر حسن شاويش

منذ أن أصدرت الدولة السورية القانون رقم 450 عام 1949 لتأسيس “مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين العرب”، ثم المرسوم التشريعي رقم 18 لعام 1974 الذي غيّر اسمها إلى “الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب”، ارتبطت حياة آلاف من عائلات اللاجئين الفلسطينيين بمسار هذه الهيئة: تسجيل مدني، أوراق ثبوتية، إعاشة متقطّعة، وإشراف على المخيمات. على الورق كانت هيئة “لخدمة اللاجئين”، لكن في الواقع، وعلى مدى عقود، تحوّلت إلى جهاز إداري بارد، بل وأحيانًا إلى ذراع وظيفية للمنظومة الأمنية.
اليوم، ومع تشكيل مجلس إدارة جديد للهيئة بقرار من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة الجديدة، تُفتح نافذة صغيرة من الأمل: هل يمكن أن نرى تحوّلًا في الأداء يعيد الاعتبار للاجئين كأصحاب حق لا كملفات مشبوهة؟ أم أنّ التاريخ سيتكرر مع تغيير الأسماء فقط؟
 

📍 إرث ثقيل من التواطؤ

لا يمكن الحديث عن الهيئة دون التوقف عند سجلها في سنوات المحنة السورية. وثائق موقع “زمان الوصل”، مثلًا، أكدت ما وثّقناه مرارًا في مبادرة فلسطينيي سوريا للرقابة الشعبية – مرصد، بأن الهيئة لم تكتفِ بالتقصير، بل تورّطت في التواطؤ مع الأجهزة الأمنية للنظام السوري البائد، خصوصًا في ملف المعتقلين والمختفين قسرًا. إذ لم يكن الصمت مجرد عجز، بل ممارسة مقصودة تُبقي اللاجئ معلّقًا بين الخوف واليأس، وتمنع ذويه من معرفة مصير أبنائهم.
اللغة الرسمية للهيئة في تلك الحقبة كانت قناعًا يخفي غيابًا أخلاقيًا: بيانات فضفاضة، كلمات بلا ضمير، إدارة باردة لملفات مشتعلة. لم تُرَ في المخيمات مؤسسة تحمي، بل مكتب بيروقراطي يعرقل. لم تُعامل الأسر كضحايا تحتاج إلى رعاية، بل كملفات أمنية تحتاج إلى مراقبة. وهذا الإرث الثقيل لن يُمحى بقرار إداري أو بيان ترحيبي بمجلس جديد.
اللاجئون لا ينتظرون معجزات. يريدون ببساطة هيئة تعترف بكرامتهم، تعطيهم أوراقهم الثبوتية دون إذلال، توفّر لهم إعاشة بحدّها الأدنى، وتعمل مع الأونروا بجدية لا بشعارات.
📍 بين التوقّع والرقابة
لكننا، رغم هذا الإرث، لا نكتب من موقع التشفي بالماضي، بل من موقع الرقابة الشعبية والحثّ على المراجعة كمدخل للتقييم والتقويم. ما مضى موثَّق، وما هو قادم سيُقاس. فاللاجئون في سوريا يتطلّعون اليوم إلى هيئة تتسم بالشفافية والمساءلة، تفتح أبوابها للجمهور، وتنشر تقارير مالية علنية، وتُشرك المجتمع المحلي في إدارة المخيمات، بدل أن تكتفي بتلقّي التعليمات من فوق.
 
التحدي أمام المجلس الجديد مزدوج: أن يعترف ضمنيًا بإخفاقات الماضي عبر تبنّي إصلاحات ملموسة، وأن يُثبت قدرته على إحداث فرق في حياة الناس اليومية. لن يثق أحد بالوعود إذا لم تُترجم إلى سرعة في إنجاز المعاملات، وعدالة في توزيع المساعدات، وجرأة في الدفاع عن قضايا المعتقلين والمفقودين، وحزم في محاسبة الجناة وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب، لاسيما أنّ اللجنة القانونية للهيئة قد تشكّلت ودقّت الآن ساعة العمل.

📍 من هيئة بلا روح إلى مؤسسة لها معنى

اللاجئون لا ينتظرون معجزات. يريدون ببساطة هيئة تعترف بكرامتهم، تعطيهم أوراقهم الثبوتية دون إذلال، توفّر لهم إعاشة بحدّها الأدنى، وتعمل مع الأونروا بجدية لا بشعارات. يريدون مجلس إدارة يفهم أن المخيم ليس مجرد “ملف خدماتي”، على أهميته، بل رمز سياسي لقضية لم تمت: قضية حق العودة.

📍 ومعايير الحكم واضحة:

هل ستُنشر ميزانية الهيئة علنًا؟
هل ستُنشأ منصات لاستقبال شكاوى الناس؟
هل سيُعلن المجلس الجديد عن موقف صريح من ملف المعتقلين والمختفين؟
هل سيُرى أثر ملموس في المخيمات خلال عام واحد؟
إذا تحقّقت بعض هذه الخطوات، يمكن الحديث عن بداية تغيير. وإذا بقيت الأمور على حالها، فلن يطول الوقت قبل أن يُضاف هذا المجلس إلى قائمة “المجالس العابرة” التي لم تترك سوى خيبة جديدة.

📍 لماذا كل هذا التعلّق بالهيئة؟

قد يتساءل البعض: لماذا كل هذا التركيز على الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، ولماذا تُحمَّل كل هذا الأمل والانتظار؟
الجواب بسيط ومؤلم في آن: لأننا جئنا من خيبة كبرى. بعد كارثة غير مسبوقة طالت المخيمات الفلسطينية في سوريا، من درعا جنوبًا حتى حلب شمالًا، وفي القلب من ذلك مخيم اليرموك عاصمة الشتات الفلسطيني، وجد اللاجئون أنفسهم بلا مرجعية سياسية أو مؤسسية حقيقية. الفصائل الفلسطينية التي كان يُفترض أن تكون مظلة حماية إمّا شاركت وتواطأت في القتل والاعتقال، وإمّا صمتت وأدارت ظهرها لشعبها. الأونروا بدورها غرقت في الفساد والبيروقراطية، وفقدت ثقة الناس.
وفي ظل غياب المرجعية الوطنية الجامعة، تبقى الهيئة هي الجهة الوحيدة اليوم تقريبًا التي يمكن أن تُعيد شيئًا من التوازن. إذ عليها أن تدرك أنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية: مخيمات مدمَّرة تحتاج إلى إعادة إعمار، احتياجات ضاغطة للاجئين من فلسطينيي سوريا في تركيا ومصر والأردن ولبنان، وذاكرة مثقلة بالخذلان والإحباط.
من هنا، فإن المأمول من الهيئة ليس قليلًا، ولا يحتمل التأجيل. عليها أن تفهم حجم التحدي، وأن تثبت بالفعل – لا بالبيانات – أنها مؤسسة قادرة على حماية ما تبقى من كرامة وذاكرة للاجئين الفلسطينيين في سوريا.
اللاجئون الفلسطينيون في سوريا يستحقون أكثر من إدارة بيروقراطية؛ يستحقون هيئة تُصغي، تحاسب نفسها قبل أن تُحاسَب، وتُدرك أن وظيفتها ليست حفظ الأختام بل حماية كرامة الناس وذاكرتهم.

📍 فرص لا ينبغي إضاعتها

صحيح أن أمام الهيئة إرثًا مثقلًا وعقبات كبيرة، لكن في المقابل هي تملك فرصًا لا يُستهان بها. أول هذه الفرص هو رهان الناس عليها، ورغبتهم في منحها الثقة رغم كل الخيبات السابقة، ما يعني أن الثقة الشعبية – وإن كانت مشروطة – ما زالت قابلة للاستعادة.
إضافة إلى ذلك، تمتلك الهيئة في كل مخيم وتجمع فلسطيني لجان عمل محلية، لا يقل عدد أفرادها في أصغر المخيمات عن عشرة أشخاص. معظم هؤلاء من الكفاءات المهنية والوطنية، وإذا أحسن المجلس الجديد إدارتهم وتنظيم عملهم واستثمار طاقاتهم، يمكن أن يحدث فارقًا ملموسًا في حياة المخيمات.
صحيح أن اختيار هذه اللجان جرى غالبًا بالتزكية وبطريقة أقرب للتوافقية، وهو ما قد يُفهم في ظل الظروف الصعبة والانتقالية التي تعيشها سورية، لكن بعد الاختيار يصبح الرهان على حسن الإدارة والتوظيف. فالقفز عن آلية التشكيل وتمريرها لن يمرّ في اختبار استثمار هذه الطاقات في خدمة المجتمع.

📍 خاتمة مفتوحة

الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب تقف اليوم على مفترق طرق: إمّا أن تعيد بناء ثقة اللاجئين بها عبر أفعال ملموسة، أو أن تظل مجرد مؤسسة بلا روح، امتدادًا لإرث من التواطؤ والإهمال.
اللاجئون الفلسطينيون في سوريا يستحقون أكثر من إدارة بيروقراطية؛ يستحقون هيئة تُصغي، تحاسب نفسها قبل أن تُحاسَب، وتُدرك أن وظيفتها ليست حفظ الأختام بل حماية كرامة الناس وذاكرتهم، والحفاظ على هويتهم الوطنية ونسيجهم الاجتماعي الذي عبث به النظام البائد وتلاعب بقيمه.
إنها لحظة نادرة قد لا تتكرّر قريبًا. فإمّا أن يثبت المجلس الجديد أنه قادر على كسر الحلقة المفرغة، أو أن يُكتب اسمه في سجلٍ طويل من الخيبات. الكرة الآن في ملعبهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *