بقلم: أ. خالد فارس
حين تنطق الحفرة… ويصمت الجلاد
في ربيع عام 2013، وفي حيّ التضامن جنوبيّ دمشق، حُفرت في الأرض حفرةٌ لم تكن تعرف أنها ستصير شاهداً على العصر. هناك، حيث يتكدّس المدنيّون العزّل، رجالاً ونساءً، ومنهم من عُصبت عيناه ومنهم من قُيّدت يداه، كانت الرصاصات تنطلق واحدةً تلو الأخرى، كأنها تعدّ أنفاس الضحايا لا تُنهيها. واحدٌ وأربعون إنساناً، وربما أكثر، سقطوا في تلك الحفرة، فوق بعضهم بعضاً، ثم أُشعلت فيهم النار، ليختلط لحمهم بالتراب، وذاكرتهم بالرماد.
كان اسم المكان “التضامن”، وكم هي قاسية المفارقة في الأسماء حين تكذبها الأفعال.
الوجه الذي لا يُنسى
ظهر في ذلك الفيديو الذي هزّ ضمير العالم بعد سنوات، رجلٌ بملامح عادية، رجلٌ كان يمكن أن يكون جاراً، أو معلّماً، أو أباً يحمل ابنه على كتفيه. لكنه كان أمجد يوسف، عنصرُ الفرع 227 في المخابرات العسكرية السورية، الذي أطلق النار بتلك البرودة التي لا يعرفها إلا من استُبدلت روحه بشيء آخر. كان يُنادي على الضحايا بأسماءٍ مستعارة ليأتوا إلى حتفهم، ثم يُردِيهم كمن يُطفئ شمعة.
المذهل أنه لم يكن في ساحة معركة، ولم يكن مدفوعاً برصاصةٍ قادمة. كان يختار. وبين كل طلقةٍ وأخرى، كان هناك وقتٌ للتردد. ولم يتردّد.
العدالة… ذلك المسافر البطيء
يقول الناس إن العدالة تأتي متأخرة، ونحن في سوريا نعرف أنها أحياناً تأتي بعد أن يكون أهل الضحية قد شابوا، وبعد أن تكون الأمهات قد حفظن ملامح أبنائهن عن ظهر قلب خوفاً من النسيان. لكنها حين تأتي، حتى متأخرة، تُعيد للموتى شيئاً من كرامتهم المسروقة، وتُعيد للأحياء قدرتهم على النوم.
إن إلقاء القبض على مجرم كأمجد يوسف — حيثما وقع، وكيفما جرى — ليس مجرد خبر قضائي يُنشر في نشرات الأخبار. إنه لحظةٌ تقف فيها الحفرةُ في التضامن لتقول: “رأيتُ كلَّ شيء، وها أنا أنطق.”
إنه رسالةٌ لكل جلادٍ ظنّ أن الفوضى ملاذُه الأبدي، وأن الزمن سيبتلع جريمته كما ابتلع التراب أجساد ضحاياه: لا. الزمن لا يبتلع. الزمن يحفظ. الزمن يُخزّن الصور، ويُراكم الشهادات، ويُصبِر العدالة حتى تنضج.
لمن نكتب؟
نكتب لتلك الأم التي لا تعرف حتى الآن أين دُفن ابنها.
نكتب لذلك الأب الذي يحتفظ بصورةٍ قديمةٍ في محفظته، يُخرجها كلما ضاق صدره.
نكتب للطفل الذي كبر يتيماً لا يعرف كيف كانت ضحكة أبيه.
نكتب لأولئك الذين في الحفرة، الذين لم يُشيّعهم أحد، ولم يُقرأ على أرواحهم شيء، ولم يبكِ عليهم إلا سماء دمشق.
ونكتب أيضاً لأنفسنا، حتى لا نُصاب بذلك المرض الخبيث الذي يُسمّى التطبيع مع الفظاعة. حتى لا تمرّ المجزرة علينا وكأنها رقمٌ في إحصاء، أو عنوانٌ في صحيفة، أو “تريند” عابر.
خاتمة: الحفرة لا تُردم
في حيّ التضامن، رُدمت الحفرة بالإسمنت ربما، وبُنيت فوقها أحياءٌ وحياة. لكن في ضمير الإنسانية، تلك الحفرة لا تُردم أبداً. هي جرحٌ مفتوح في جسد التاريخ، لا يُغلقه إلا أن يقف كلُّ جلادٍ أمام قاضيه، وأن يُعيد كلُّ ميتٍ اسمَه من بين الرماد، وأن تعرف كلُّ أمٍّ أين تضع وردةً في عيد الأم.
أمجد يوسف ليس استثناءً. هو وجهٌ من آلاف الوجوه. لكن اعتقال وجهٍ واحدٍ منهم هو بدايةٌ لقصةٍ طويلةٍ اسمها: لن ننسى، ولن نسمح بأن يُنسى.
وحده الذي يتذكّر… يستحق أن يُسمّى إنساناً.
