إعداد: أ. نور عويس – ناشطة وحقوقية فلسطينية
مخيم السيدة زينب… ذاكرة اللجوء الفلسطيني بين صمود المكان وتحولات الحرب
يقع مخيم السيدة زينب جنوب شرق العاصمة السورية دمشق، على بعد نحو 15 كيلومتراً منها، ويتبع إدارياً لمحافظة ريف دمشق.
وعلى الرغم من مساحته الجغرافية الصغيرة، إلا أنه يمثل واحداً من أبرز التجمعات الفلسطينية في سوريا، حيث تختلط فيه حكايات اللجوء الأولى بواقع اجتماعي واقتصادي صعب فرضته سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة.
ويجاور المخيم منطقة السيدة زينب الشهيرة، التي تضم المقام المعروف، إذ لا يبعد عنه سوى نحو 300 متر، كما تحيط به مناطق الذيابية وببيلا وحجيرة، إضافة إلى تجمعات فلسطينية في حارة غربة والبحدلية.
وقد منح هذا الموقع المخيم أهمية اجتماعية ودينية، إلى جانب ارتباطه المباشر بمدينة دمشق.
تأسيس المخيم وبدايات اللجوء
تأسس مخيم السيدة زينب بشكل غير رسمي عام 1948، عقب تهجير الفلسطينيين من قراهم ومدنهم خلال النكبة، قبل أن يتوسع نشاطه ويحظى باعتراف رسمي بعد عام 1967، مع وصول موجة جديدة من النازحين الفلسطينيين إثر النكسة.
وينحدر معظم سكان المخيم من قرى ومدن فلسطينية في الجليل الأعلى وطبريا ولوبية، ولا تزال أسماء القرى والبلدات الفلسطينية حاضرة في ذاكرة السكان وفي تسمية بعض الحارات والأحياء، في محاولة للحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية داخل النسيج العمراني للمخيم.
أحياء ضيقة وهوية فلسطينية حاضرة
تبلغ المساحة التقريبية للمخيم الأصلي نحو 0.02 كيلومتر مربع، إلا أن التوسع العمراني جعله يتداخل مع المناطق المحيطة به.
ويتكون المخيم من أزقة وحارات ضيقة متلاصقة، من أبرزها حارة الوطنية، والمخيم القديم، وحارة الشمالنة، وحارة الدوارة.
كما تنتشر داخله معالم تحمل رمزية وطنية، مثل ساحة قبة الصخرة، وساحة القدس، وساحة خريطة فلسطين، في مشهد يعكس تمسك السكان بهويتهم الفلسطينية رغم مرور عقود على اللجوء.
ويقدَّر عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في المخيم بين 25 و30 ألف نسمة، وتشكل فئة الأطفال والشباب النسبة الأكبر من السكان، ما يجعل المخيم مجتمعاً شاباً يعاني في الوقت نفسه من تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة.
خدمات محدودة وبنية تحتية متهالكة
يعاني سكان المخيم من مشكلات مستمرة في الخدمات الأساسية، خاصة الكهرباء والمياه والصرف الصحي. وعلى غرار معظم مناطق ريف دمشق، يخضع المخيم لتقنين كهربائي طويل، رغم وجود تحسن نسبي خلال الفترة الأخيرة.
أما المياه، فيعتمد الأهالي على الآبار الارتوازية وشبكة الدولة، إضافة إلى شراء المياه من الصهاريج، بينما يضطر كثير من السكان لشراء مياه الشرب بشكل يومي.
وفي ملف الصرف الصحي، ما تزال الشبكات القديمة تشكل عبئاً على السكان، حيث شهد شتاء عام 2026 أوضاعاً وُصفت بالمأساوية بعد دخول مياه الصرف الصحي إلى المنازل، وسط مطالبات شعبية متكررة باستبدال الخطوط المتهالكة.
التعليم… اكتظاظ وتحديات أمنية
يضم المخيم عدداً من مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، التي تعمل بنظام الفترتين الصباحية والمسائية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الطلاب، ومن بينها مدارس علما وبيت جبرين ودلاتا واليرموك للبنات، إضافة إلى مدرسة النقيب التابعة للدولة السورية.
وعانى القطاع التعليمي خلال سنوات الأزمة السورية من تحديات عديدة، أبرزها الاكتظاظ داخل الصفوف، ونقص الوسائل التعليمية، إضافة إلى المخاطر الأمنية الناتجة عن القصف والاشتباكات القريبة، حيث سقط عدد من الأطفال بين الضحايا خلال سنوات الحرب.
خدمات صحية محدودة
تدير “الأونروا” مستوصفاً طبياً يقدم الخدمات الصحية الأولية ورعاية الأمومة والطفولة واللقاحات، إلا أن المخيم يفتقر إلى مستشفى كبير ضمن حدوده الجغرافية.
ويعتمد السكان على مستشفى الكوثر الأهلي، المعروف سابقاً باسم مشفى الإمام الصدر، إضافة إلى المستشفيات الحكومية والخاصة في دمشق.
كما توجد داخل المخيم عيادات خاصة وصيدليات تقدم خدمات طبية أساسية للسكان.
المواصلات والحياة اليومية
بسبب ضيق الأزقة داخل المخيم، يعتمد السكان على المشي أو استخدام الدراجات النارية ووسائل النقل الصغيرة مثل “التكتوك”. أما التنقل إلى دمشق، فيتم عبر خطوط “السرافيس” التي تربط السيدة زينب بمركز العاصمة، وخاصة منطقتي البرامكة والفحامة.
الفقر والبطالة… أزمات اجتماعية متفاقمة
يعاني جزء كبير من سكان المخيم من الفقر وضعف الموارد المالية، حيث يعتمد كثير من الأهالي على الأعمال اليومية والمساعدات الإنسانية التي تقدمها وكالة الغوث.
ويؤكد سكان أن البطالة والأوضاع الاقتصادية الصعبة ساهمت في تصاعد بعض المشكلات الاجتماعية، مثل تفشي المخدرات بين فئات من الشباب، إضافة إلى الاكتظاظ السكاني وغياب المساحات العامة والملاعب.
الحرب السورية وآثارها العميقة
تأثر مخيم السيدة زينب بشكل كبير بالأزمة السورية، إذ شهد حملات اعتقال ونزوح جماعي، كما فقد كثير من العائلات أبناءها بين قتيل ومفقود.
وتعرضت أجزاء من البنية التحتية والمنازل لأضرار متفاوتة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت عودة تدريجية.
المجتمع المحلي والهوية الاجتماعية
يتميز مخيم السيدة زينب بتركيبة اجتماعية فلسطينية متنوعة حافظت على الروابط العائلية والعشائرية الممتدة منذ النكبة الفلسطينية، حيث تنتشر داخله عشائر فلسطينية معروفة مثل عشيرة الشمالنة الفلسطينية، وعشيرة العقيدات الدوارة، وعشيرة التلاوية، وعشيرة الزنغرية، وعشيرة لهيب، وعشيرة المواسى، وقد أسهم هذا التنوع العشائري والعائلي في تعزيز شبكات التضامن الاجتماعي داخل المخيم، سواء في الحياة اليومية أو في أوقات الأزمات، ويقول الناشط الإعلامي عدي فرحان من سكان المخيم إن هذه الروابط الاجتماعية والعائلية كانت دائماً عنصر قوة أساسي في صمود المجتمع وتماسكه.
كما يضم المخيم معالم دينية واجتماعية بارزة، مثل جامع سيدي مدرك الفزاري والمعهد الشرعي، إضافة إلى مقبرة تقع قرب مدارس الأونروا، وتشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية لسكان المخيم.
وبرز من أبناء المخيم عدد من الشعراء والكتاب والناشطين الثقافيين والإعلاميين الذين ساهموا في توثيق الحياة الفلسطينية داخل سوريا، من بينهم الشعراء والكتاب ماهر محمد، وفادي عيسى، ومحمود فرحان، ومحمد إبراهيم لافي، والقاص حسان علي، والشاعر حسن فلاح.
وفي المجال الإعلامي، ظهر عدد من الناشطين والإعلاميين من أبناء المخيم، من بينهم وردان خالد، وعدي فرحان، ومحمود علي، ولين محمد، إضافة إلى المذيع نعيم إبراهيم والمذيعة لارا محمد والأستاذ حسام حسن.
أما في المجال المسرحي والفني، فيبرز اسم الأستاذ ديب لافي، إلى جانب عدد من الخطاطين والفنانين مثل خالد عسود، وعامر تيم، وإسراء محمد، ونسرين درزي.
كما عرف المخيم بحضوره الموسيقي والإنشادي، من خلال عدد من العازفين والمنشدين مثل حسين فياض، وزكريا فياض، ومحمد حميد، ومعاذ حميد، إضافة إلى فرقة “ليالي الصفا” للإنشاد الديني.
حياة ثقافية ومبادرات شبابية
ورغم الظروف الصعبة، لا يزال المخيم يحتفظ بحياة اجتماعية وثقافية نشطة، إذ تنظم جمعيات ومراكز أهلية فعاليات للحفاظ على التراث الفلسطيني، من بينها نشاطات الدبكة والتطريز وإحياء المناسبات الوطنية.
ومن أبرز الجهات الناشطة داخل المخيم جمعية عائدون للتنمية والتمكين، ومؤسسة فيض المعرفة، وهيئة فلسطين الخيرية، وجمعية القدس الخيرية، إضافة إلى مبادرات شبابية تطوعية تهتم بالتعليم والنظافة والرياضة.
ويؤكد سكان المخيم أن السيدة زينب لم يكن مجرد مكان للجوء، بل مساحة اجتماعية وثقافية حافظت على الذاكرة الفلسطينية لعقود طويلة، في مواجهة التهجير والحرب والتحولات السياسية.
وبين الأزقة الضيقة وأصوات الباعة وحكايات العائلات، يواصل المخيم حمل ذاكرة فلسطين، بينما يحاول سكانه بناء حياة جديدة وسط واقع لا يخلو من التحديات.
