لماذا يستمر عقاب الفلسطينيين السوريين حتى بعد سقوط الأسد؟

لماذا يستمر عقاب الفلسطينيين السوريين حتى بعد سقوط الأسد؟

رامي العاشق “كاتب وصفي فلسطيني”

منذ عقود طويلة، عاش فلسطينيو سوريا داخل استثناء قانوني وسياسي. لم يكونوا مواطنين سوريين بالمعنى القانوني الكامل، لكنهم لم يعاملوا أيضًا كأجانب. تأسس هذا الوضع رسميًا مع القانون 260 للعام 1956 ونصه: “يعتبر الفلسطينيون المقيمون في أراضي الجمهورية العربية السورية بتاريخ نشر هذا القانون كالسوريين أصلاً في جميع ما نصت عليه القوانين والأنظمة النافذة المتعلقة بحقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية”.

كان هذا النص بمثابة حجر الأساس للعلاقة القانونية بين الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى سوريا عام 1948 من جهة، وبين الدولة السورية من جهة ثانية، وقد نشأ عنه شعور عام لدى الفلسطينيين بأنهم جزء مستقر من المجال السوري، حتى مع غياب الجنسية والحقوق السياسية، قبل أن يتم عقابهم بعد انطلاقة الثورة السورية عام 2011 وانخراط المخيمات فيها.

باب للعقاب

يذكر نص القانون بشكل واضح “حقوق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم”، ولكنه لا يذكر حق التملك العقاري، ولو أنه مفهوم ضمنًا، إلّ أن عدم التصريح هذا سيتحول لاحقًا إلى مدخل لحرمان الفلسطينيين من حق مكتسب بحكم العرف الإداري والاجتماعي لأكثر من ستين عامًا.

ومع أنه، في الوقت ذاته، لا يوجد نص يمنع الفلسطينيين من التملك بشكل قطعي أو يقيد هذا الحق، إلا أن الطريق كان مفتوحًا لإعادة تعريف الوجود الفلسطيني في سوريا بعد 2011، وسيتم السعي تدريجيًا إلى اعتبارهم “أجانب” لا “في حكم المواطن”.

طوال أكثر من ستين عامًا، لم تظهر هذه المشكلة بوضوح. فلسطينيو سوريا كانوا يشترون منازل أو يفتحون متاجر أو يرثون عقارات ضمن إجراءات مطابقة أو قريبة جدًا من إجراءات السوريين. وفي الحياة اليومية، كان الفرق محدودًا لدرجة أن كثيرين لم ينتبهوا أصلاً إلى غياب نص قانوني صريح يحمي حق التملك.

لكن السؤال القانوني الأهم في منهج القانون السوري: هل الأصل هو المنع أم السماح؟ بمعنى، هل يمارس الحق بشكل طبيعي ما لم يكن هناك قانون يمنع، أم الأصل أن الحقوق ممنوعة ما لم يكن هناك قانون يسمح؟

في حكم المواطن أم الأجنبي؟

مع انطلاقة الثورة السورية، سعى نظام الأسد إلى عقاب الشعب وابتزازه، وهذا انسحب أيضًا على الفلسطينيين السوريين. حيث بدأت حرب شائعات رسمية تتهمهم بالتخريب، ثم تهديدات بمصير مجهول وطرد، وظلت تتصاعد إلى أن وصلت إلى تدمير المخيمات وتهجير الفلسطينيين للمرة الثانية.

ضمن هذا السياق، ظهرت قوانين جديدة تسعى تدريجيًا إلى سلب فلسطينيي سوريا حقهم في التملك العقاري وفق ثلاث مراحل امتدت بين 2011 و2022.

بعد سقوط الأسد، ساد اعتقاد لدى كثيرين بأن السلطة الجديدة قد تعيد النظر في هذه السياسات، أو على الأقل تخفف القبضة الأمنية عن الملف العقاري الفلسطيني. لكن ما حدث حتى الآن يوحي باستمرار النهج ذاته إلى حد بعيد.

المرحلة الأولى والمؤسسة تبدأ في قانون تملك غير السوريين رقم 11 للعام 2011، هذا القانون لم يقل إن الفلسطيني ممنوع من التملك، لكن التطبيق العملي أخذ يدفع الفلسطينيين تدريجيًا نحو خانة “الأجنبي”، إذ نص القانون 11 على: “يجوز إنشاء أو تعديل أو نقل أي حق عيني عقاري في أراضي الجمهورية العربية السورية لاسم أو لمنفعة شخص غير سوري طبيعيًا كان أم اعتباريًا وفق الأحكام التالية..”

أُسقِطت إذن عبارة “ومن في حكمه” من النص، ليصبح السؤال هل صار الفلسطيني أجنبيًا؟

لاحقًا، في العام 2013، عاد الفلسطيني السوري إلى خانة من “في حكم السوري” حيث صدر قرار مجلس الوزراء رقم 2484 لعام 2013 والذي وضع التعليمات التنفيذية للقانون 11 للعام 2011، ونصه: “يقصد بعبارة غير السوري، أي شخص طبيعي أو اعتباري لا يحمل جنسية الجمهورية العربية السورية، ولا تشمل أحكام هذا القانون الفلسطينيين الذين هم في حكم السوريين وفق أحكام القانون رقم 260 لعام 1956”.

المرحلة الثانية في العام 2021 صدر القانون 12 الذي عدل القانون 11 السابق ذكره بخصوص تملك الأجانب، ثم أتت تعليماته التنفيذية في القرار 1555 بتاريخ 19.9.2021، وهنا تم التمييز بين نوعين من الفلسطينيين، فمن كان مقيمًا في سوريا قبل العام 1956 يعامل معاملة السوري، ومن كان مقيمًا بعد عام 1956 يعامل بالشروط التي تحكم قوانين المواطنين العرب.

ثم في المرحلة الثالثة جاء القرار الفصل وهو القرار 1011 الصادر عن رئيس مجلس الوزراء عام 2022، الذي شطب استثناء الفلسطينيين السوريين لتصبح: “يقصد بعبارة غير السوري، أي شخص طبيعي أو اعتباري لا يحمل جنسية الجمهورية العربية السورية”. وتم حذف “ولا تشمل أحكام هذا القانون الفلسطينيين الذين هم في حكم السوريين وفق أحكام القانون رقم 260 لعام 1956”.

بموجب هذا القرار، أوقفت الدوائر الرسمية عمليات شراء العقارات للفلسطينيين، وأصبحوا يعاملون معاملة الأجنبي، وصاروا يحتاجون إلى موافقة أمنية يتم التقدم إليها في وزارة المالية، وموافقة وزارة الداخلية أيضًا، وأن يكون طالب التملك حصرًا متزوجًا صاحب أسرة، وأن يكون سبب التملك هو السكن وليس التجارة، وأن يمتلك عقارًا واحدًا فقط تكون مساحته 140 مترًا مربعًا كحد أدنى ومسجلًا كـ: “طابو أخضر”، أي أن الفلسطيني لم يعد بإمكانه الحصول على تملك من نوع “كاتب بالعدل” أو “حكم محكمة”.

إذن، فنحن أمام واقع ومصير فلسطيني جمعي محكوم بـ”تعليمات تنفيذية” و”تفسيرات” سياسية للقوانين، تعتمد في نهجها على عقاب مجموعة بشرية وحرمانها من حقوقها تدريجيًا بحيث غيرت تعريفها الوجودي.

خمس طبقات من العقاب

ويمكن رصد عدة طبقات ومراحل لعقاب الفلسطينيين السوريين فيما يخص حقهم في التملك العقاري بالإضافة إلى هذه القوانين الجائرة التي استعملها النظام الأسدي خلال السنوات الأخيرة.

إذ تضمنت هذه الحملة ضد الفلسطينيين أولاً تلميحات وتسريبات وشائعات حول حرمان الفلسطينيين الذين غادروا سوريا بطريقة غير شرعية من أملاكهم، أما الذين هُجّروا داخل سوريا، فقد فقد كثير منهم أوراقهم، وبعضهم الآخر اصطدم بواقع أن عقود البيع والأحكام القضائية لم تعد كافية لحماية ملكياتهم.

ثانيًا، وبحسب مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، فقد تم رصد العديد من عمليات الاستيلاء ووضع اليد بالقوة على أملاك ومنازل اللاجئين في المخيمات الفلسطينية بسورية، من قبل عناصر الأمن السوري أو بعض الميليشيات الموالية للنظام السوري والمتعاملين معهم والمتنفذين في الدولة لدواعي أمنية أو بتهمة الإرهاب، أو الانتماء لفصيل فلسطيني رفض الوقوف مع النظام السوري، أو لأن أصحابها ينتمون للمعارضة السورية.

ويمكن الحديث عن طبقة ثالثة، وهي ذروة هذا النهج الذي بدأ بتجريد الفلسطينيين من تعريفهم القانوني، الذي سيسمح بتجريدهم من حقوقهم في التملك، وسيكتمل في تجريدهم من الحق في التوريث كخطوة أخيرة لإنهاء وجود أملاك لفلسطينيي سوريا بشكل نهائي.

فتطبيق قانون “الأجانب” على الفلسطينيين يعني حرمانهم أيضًا من ميراثهم، فلا يحق للفلسطيني المالك للعقار توريث عقاره لأبنائه بموجب أحكام المادة الثالثة من القانون 11، وعلى الورثة وخلال سنتين من تاريخ وفاة الفلسطيني المالك أن يقوموا بنقل ملكية العقار إلى مواطن سوري، أو إلى واحد من الورثة ممن تنطبق عليهم شروط التملك، وبعد الموافقة الأمنية، وفي حال مرور سنتين ولم يتم نقل الملكية فإنه ستتم مصادرة العقار بموجب قانون الاستملاك ويصبح من أملاك الدولة.

الطبقة الرابعة هي الوضع القانوني لأملاك الفلسطينيين الحالية، فغالبية أملاك الفلسطينيين ليست من نوع “طابو أخضر” بل هي إما “حكم محكمة” أو لدى “كاتب بالعدل” أو “عقود بيع قطعية”، بحكم طبيعة المناطق سواء المخيمات أو الريف أو المناطق الزراعية، وهذا بدوره يجعل انتقالها لفلسطيني سواء من الورثة أو غيره أمرًا مستحيلاً. بذلك يصبح نقل الملكية إلى سوري أو مصادرة العقار من قبل الدولة مصيرين لا ثالث لهما.

الطبقة الخامسة هي أن قيام الفلسطيني بمحاولة الالتفاف على القانون من خلال تسجيل العقار بشكل صوري باسم شخص صوري أو حتى إبرام عقد شراء عقار بواسطة شخص آخر بغية التهرب من أحكام القانون فإن هذا التسجيل أو العقد يكون باطلاً، ليس هذا فقط بل يجب أيضًا أن تقوم النيابة العامة بتحريك الدعوى العامة ضد الفلسطيني والسوري المتواطئ معه، وذلك بموجب أحكام المادتين 10 و11 من القانون 11 لعام 2011 وتعديلاته اللاحقة، والتي من ضمنها: “يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة المعادلة لقيمة الأموال والحقوق التي تناولها العقد كل من أقدم على إجراء عقد لمصلحة شخص غير سوري خلافًا لأحكام هذا القانون أو توسط بإجرائه إضافة إلى مصادرة تلك الأموال والحقوق”.

عهد جديد يتابع ممارسة الظلم القديم

وبعد سقوط الأسد، ساد اعتقاد لدى كثيرين بأن السلطة الجديدة قد تعيد النظر في هذه السياسات، أو على الأقل تخفف القبضة الأمنية عن الملف العقاري الفلسطيني. لكن ما حدث حتى الآن يوحي باستمرار النهج ذاته إلى حد بعيد. فالموافقات الأمنية لا تزال مطلوبة ولا تمنح أصلاً، والقيود الإدارية لا تزال قائمة، ولم تصدر قوانين واضحة تعيد تثبيت حق الفلسطيني في التملك بصورة صريحة وحاسمة. إذ لم تسع السلطة التنفيذية الجديدة إلى إبطال “تعليمات تنفيذية” أصدرتها السلطة السابقة بشكل عقابي على الفلسطينيين، إنما تم استمرار العمل بها بشكل صارم إلى لحظة كتابة هذا المقال، فلماذا يستمر عقاب الفلسطينيين إلى اليوم حتى بعد أن زال الجلاد؟

السؤال مشروع عن نهج السلطة الجديدة تجاه فلسطينيي سوريا، خاصةً وأن هذه الشريحة مهمشة بالأصل ولا تملك حقوقًا سياسية أو الحق في الجنسية، ولا يوجد لها ممثلون في البرلمان، ولا حتى لديها الحق بأن يكون لها ممثل، وينحصر إطار تمثيلها القانوني والسياسي والاجتماعي في هيئة حكومية تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *