هل يستمرّ فلسطينيو سورية الجديدة ملفّاً أمنياً؟

هل يستمرّ فلسطينيو سورية الجديدة ملفّــــــاً أمنيـــــــاً؟

بقلم: الصحفي الراحل حسام أبو حامد

من حقّ الدولة السورية أن تمارس سيادتها فتضبط سلاح الفصائل الفلسطينية وتجمع سلاحها وتستعيد قواعدها ومقارّها. هي مهمّة معقدة بكلّ حال، إلّا أنّ ما هو أكثر صعوبةً أن تقاوم السلطة السورية الجديدة إغراء الماضي، فلا تعامل الفلسطيني (السوري) بوصفه ملفّاً يحتاج إدارة أمنية، بعد عقود من وصاية فصائل فلسطينية ورقابة الأجهزة الأمنية، وإلّا استمرّت الرقابة من حيث انتهت الوصاية.

وقبل أيام، كشف المحامي والحقوقي الفلسطيني السوري أيمن أبو هاشم أنّ أنشطة مؤسّسات فلسطينية مرخّصة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أصبحت تحتاج موافقات أمنية. وهذا أبعد من مشكلة إدارية عابرة، وإن بدا لبعضهم صغيراً مقارنةً بمشكلاتٍ سورية كُبرى؛ فحاجة مؤسّسة مدنية إلى إذن أمني لتمارس نشاطها تدفعنا إلى التساؤل عن قيمة القانون في ظلّ إلزامية الموافقة الأمنية.

ليست المشكلة فلسطينيةً حصريةً، فقد ورثت سورية الجديدة إرث عقود كان الأمن فيها حاضراً في كلّ التفاصيل، من السياسة إلى النقابة، ومن الحياة الجامعية إلى الجمعيات الثقافية، ولم يمنح القانون السوريين (والفلسطينيين) حقّاً من دون طبقاتٍ إضافيةٍ من موافقات أمنية وتقارير مخابراتية.

تنتظر سورية الجديدة أن تصبح العلاقة بين الفرد والدولة محكومةً بالقانون، وبه فقط. مع ذلك، المسألة بالنسبة إلى الفلسطينيين أكثر حساسيةً.

وجدت السلطة في دمشق نفسها أمام ملفّ فلسطيني ثقيل: فصائل مسلّحة، بعضها ارتبط بالنظام وإيران، ومقارّ ومعسكرات وأموال وعقارات متراكمة منذ عقود. ليس مطلوباً تجاهل ذلك، بل من واجبها أن تغلق المعسكرات المستقلّة وتحصر السلاح، وأن تحقّق في الجرائم والانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، فلسطينيين كانوا أم سوريين.

لكن هناك خطّاً فاصلاً؛ فاللاجئ الفلسطيني ليس فصيلاً، وليس السلاح هو الجمعيات المدنية التي تُعنى بأوضاع اللاجئين، والمركز الثقافي ليس معسكراً، والفلسطيني الذي يمارس نشاطاً مرخّصاً ليس مسؤولاً عن انتهاكات فصيل لم ينتم إليه يوماً، حاله حال السوري الذي لا يمكن تحميله مسؤولية ما ارتكبته مجموعات تنتمي إلى طائفته أو منطقته.

خلط الأمور وصفة لتحويل “الضرورة الأمنية” إلى وصاية اجتماعية. والاعتقال قاسم مشترك بين دولة القانون والدولة البوليسية، إلّا أنّ الأولى تُخضع الاعتقال للقانون والقضاء: يُبلَّغ المحتجز بأسباب توقيفه والتهمة الموجّهة إليه، ويُتاح له الدفاع والطعن في قانونية احتجازه، فيما يحدّد القضاء، لا الجهاز الأمني، مصيره.


على الرغم من الوضعية القانونية الاجتماعية المتقدّمة التي تمتّع بها فلسطينيو سورية مقارنةً باللاجئين الفلسطينيين في بلدان عربية أخرى، ظلّت حياتهم السياسية محاطةً برقابة أمنية مشدّدة، وحضروا في الخطاب أكثر ممّا حضروا في القرار المتعلّق بحياتهم.

ولم يخلُ الأمر من وصاية فصائلية في ظلّ تراجع التمثيل السياسي الفاعل لفلسطينيي الشتات، ولا سيّما منذ “أوسلو” (1993).

وإن كان مفهوماً أن تضع الدولة السورية يدها، لحظة انهيار النظام السابق، على معسكرات ومقارّ تابعة لتنظيمات مسلّحة، فهناك فارق بين السيطرة المؤقّتة والتملّك.

هناك شبكة معقّدة من العقارات والأموال، بعضها لفصائل وبعضها لمؤسّسات فلسطينية، وبعضها سُجّل بأسماء أفراد، وانتقل بعضها أو بيع أو حجز في ظروف تحتاج إلى تحقيق (تقرير “العربي الجديد”، 6/9/2026).

وسبق أن طرح أبو هاشم فكرة إنشاء صندوق لإدارة هذه الممتلكات توجّه عائداته إلى خدمة الفلسطينيين. وهي فكرة يمكن البناء عليها، شرط ألّا تصبح ملفّ وصاية جديداً، بأن تتولّى المهمّة هيئة مستقلّة من قضاة ومحامين وغيرهم من شخصيات فلسطينية مستقلّة، تجرد وتوثّق وتدقّق الملكيات والعقود، وتحيل النزاعات على القضاء المتخصّص، ولا يؤول ما يثبت أنّه مال فلسطيني عام إلى الدولة السورية، وإنّما توجّه عائداته إلى إعادة إعمار مخيّمات الفلسطينيين وترميم بناهم التحتية وتفعيل مؤسّساتهم الاجتماعية.


ليس المطلوب منح الفلسطينيين السوريين امتيازاً، ولكن يجب إخراجهم من حالة الاستثناء.

وهم لا يحتاجون وصاية جديدة، بل يريدون قانوناً واضحاً، وقضاء مستقلّاً، وجمعيات فاعلة، وحقّ اعتراض لا يتحوّل إلى تهمة أمنية.

فليس الفلسطيني ضيفاً عابراً، ولا يحتاج إلى مزيد من الخطابات عن القضية، بل إلى ما هو أقلّ بلاغة وأكثر قيمة: ألّا يكون ملفّاً أمنياً على الطاولة أو ورقةً للتفاوض.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *