بقلم: أ. أيمن فهمي أبو هاشم
إلى من فاجأتهم وأزعجتهم مظاهرات الشعب السوري الضخمة دفاعاً عن الأسرى الفلسطينيين وتضامناً مع غزة والأقصى، ومن بدأوا تحميلها ارتباطات مشبوهة بإيران وأذرعها لغايات في نفس يعقوب. أوضح من باب التذكير بحقائق لا يجوز القفز عنها، وما يُفسر ويُلامس المغزى العميق للمظاهرات العارمة التي شهدتها المدن والبلدات السورية من أقصى الجنوب إلى أقصى شمالها، وبما فيها المخيمات الفلسطينية في سوريا، أوضح ما يمكن أن يصوب النقاش ويعصمه من سوء الفهم أو سوء الطوية:
أولاً:
بالعقل والمنطق والضمير أن يعبّر الشعب السوري وكل الشعوب العربية عن مواقفهم الداعمة والمساندة لقضية فلسطين، باعتبارها قضية وطنية عادلة ومتشابكة مع عمقها العربي على امتداد محطات الصراع وجولاته المتواصلة، أما اللا عقلاني واللا منطقي والمنافي للأخلاق والضمير أن تتخلى الشعوب العربية عن مسؤولياتها وتلتزم الصمت كما تريد لها أنظمة الاستتباع والتطبيع، وكانت أكبر مفارقة تدعو للألم والخذلان طيلة حرب الإبادة على غزة أن تخرج مظاهرات مليونية في الدول الغربية رفضاً واستنكاراً لتلك لحرب الغاشمة والمطالبة بمحاسبة نتنياهو وأركان حكومته المتوحشة، فيما كانت السمة العامة للشعوب العربية وحكوماتها هو الإنكفاء والتخلي كلما لاحت عصا أنظمتهم ترهيباً إذا مافكروا بالتعبير عن مواقفهم ومشاعرهم تجاه إخوتهم الفلسطينيين، ولولا بعض المظاهرات الرمزية في بعض الدول، لكان المشهد أكثر بؤساً وعيباً وخذلاناً مما هو عليه الحال. وحتى نظام الأسد البائد الذي كان الأكثر متاجرةً بقضية فلسطين وإضراراً بها في الواقع، فقد منعت أجهزته الأمنية الشعب السوري طيلة حرب غزة من خروج مظاهرات مساندة لأهلها المكلومين.
ثانياً:
ثمة علاقة تاريخية خاصة بين الشعب السوري وفلسطين شعباً وقضيةً، ورغم تبدلات أحوال السياسة ومكر بيادقها، ورغم تعدد الأطراف التي لعبت على تلغيم وتشويه تلك العلاقة؛ فقد بقيت راسخةً وحيّةً في الوجدان السوري والفلسطيني العام، ومظاهرات سوريا الحاشدة هذه الأيام بقدر ما تُعيد البديهيات إلى نصابها، فإن خروجها العفوي وعلى هذا القدر من العنفوان، هو رسالة وفاء وأمل بأن سوريا التي تولد من رحم الآلام، يتسع صدرها لحرية التعبير، من القضايا المحلية التي تشغل الناس إلى القضايا الكبيرة التي تهدد البلاد، وبأن الوعي الوطني السوري بخطورة المشروع الصهيوني على الجميع يقظ ومتجذر، ومن المجحف بل ومن الظلم أن تشطح بعض الأصوات في تصوير ما جرى وكأنه بدفع من أيادي مشبوهة لمصلحة إيران ومحورها، وكأن هذه القطاعات الشعبية والطلابية الواسعة التي خرجت انتصاراً للحق هي إلعوبة يجري استغلالها لمآرب خارجية، وتذكرنا هذه الأصوات اليوم بمن اتهموا ثوار سوريا وشعبها الحر بخروجهم بالمظاهرات العارمة مقابل خمسمئة ليرة ملفوفة بالسندويش، وكل هذا لا ينفي وجود جهات خارجية تحاول استغلال أي حدث داخلي لمصالحها، ولكن الأصل والعبرة في مشروعية الحق والدفاع عنه وليس التفريط به.
ثالثاً:
خروج مسلحين ملثمين من إحدى بلدات ريف دمشق يتوعدون بفتح جبهة الجنوب السوري، ومجموعات أخرى من درعا اتجهت نحو الحدود، تصرفات ذات طابع محلي محدود، وحتى لو افترضنا وجود من دفعهم إلى ذلك، فهذا الأمر منوط بالدولة ومسؤولياتها في ضبط أي سلوكيات قد يستغلها العدو لتنفيذ مآربه في سوريا وهي أصبحت معروفة ومكشوفة، وحتى قرار الحرب وتنظيم مقاومة شعبية في مواجهته، فهذا قرار سيادي تتخذه الدولة وفق شروط وترتيبات وتوقيت تختاره، أو حين تصبح المواجهة خياراً اضطرارياً لامفر منه، وليس انجراراً إلى مبادرات حماسية غير محسوبة العواقب.
رابعاً:
نجاح الحكومة الانتقالية في مواجهة المشكلات والتحديات التي تواجه الشعب السوري، ومسؤوليتها في بناء دولة المواطنة والحريات وسيادة القانون هو أكثر ما يخشاه أعداء الداخل والخارج، والحفاظ على وحدة سوريا، وتمتعها بأسباب وإمكانيات القوة الذاتية، هي الضمانة والحصانة الأكبر لسوريا الحرة، ومن يستند ويتقوى بإرادة شعبه لا غالب له..
