محمد أبو ناهية /كاتب وناشط فلسطيني
منذ سقوط نظام بشار الأسد، وجدت حكومة دمشق الجديدة نفسها أمام معضلة شائكة: هل تحاسب فلول النظام الذين تورطوا في الدماء والفساد، أم تتجاوز ذلك لتجنب فتح جروح قد تعيد إشعال البلاد؟ التسوية التي أجرتها دمشق أتاحت الفرصة لكثير من رموز النظام السابق للاندماج من جديد في المشهد السياسي والاجتماعي، دون محاسبة حقيقية، ما خلق إحساسًا بالظلم لدى كثير من السوريين الذين دفعوا ثمن ممارسات هؤلاء.
بين المحاسبة والاستقرار
صحيح أن الحكومة الجديدة وقعت بين خيارين صعبين:
- 1-عدم محاسبة هؤلاء حتى لا يُفسَّر الأمر على أنه انتقام أو محاولة لسحق الأقليات.
- 2-تجنب محاكمات واسعة قد تصل إلى عشرات الآلاف، وهو أمر يفوق قدرة الدولة في هذه المرحلة التأسيسية.
لكن هذا التساهل منح فلول النظام فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم، بدعم واضح من إيران وحزب الله، بل وحتى بتسهيل من قوات سوريا الديمقراطية (قسد). كل ذلك في ظل تحركات مريبة في الساحل السوري، حيث يبدو أن بعض العلويين يسعون لإقامة كيان مستقل، مستلهمين دعوات انفصاليي الدروز، الذين تحاول إسرائيل تبني قضيتهم وحمايتهم بعد التوترات الأخيرة بين الدروز ووزارة الدفاع السورية في جرمانا.
مخاطر التفكك والدعوات الانفصالية
تأتي هذه المعادلات، في ظل تعنت قيادات “قسد” للرضوخ إلى حكم دمشق ودعواتهم إلى الحكم الذاتي بدعم أمريكي وغربي، مما زاد المشهد تعقيدًا. إن سوريا اليوم بحاجة ماسة للحزم في مواجهة بقايا النظام السابق، وكذلك كل من يدعو إلى الانفصال، فالتقسيم لن يخدم أي طرف، بل سيجعل الجميع ضعفاء ومتفرقين، ومتناحرين لن تستطيع أي دويلة منهم أن تنشد الاستقرار السياسي والإجتماعي والإقتصادي لوحدها، وهو ما يسعى إليه أعداء سوريا، وعلى رأسهم إسرائيل.
الموقف الوطني المطلوب
إن الواجب الوطني اليوم يحتم على العلويين والدروز والأكراد الشرفاء الوطنيين أن يقفوا في صف وحدة سوريا، وألا يسمحوا للأصوات التي تدعو إلى التقسيم بأن تفرض واقعًا كارثيًا عليهم. فالتاريخ أثبت أن وحدة البلاد هي مصدر القوة للجميع، بينما التفكك لم يجلب إلا الضعف والاقتتال الداخلي، وهذا بالضبط ما يريده خصوم سوريا.
إذن، إلى أين ذهب الطلقاء؟ ذهبوا ليعيدوا تموضعهم، ليشكلوا تهديدًا جديدًا لوحدة سوريا. لكن التاريخ لن يرحم أحدًا، وعلى حكومة دمشق أن تدرك أن التعامل بطريقة إصلاحية مع هؤلاء وليس بطريقة ثورية ستسمح بإعادة إنتاج النظام السابق وسيعزز فرص نجاح المشاريع الانفصالية وستكون سوريا كدولة ووطن هي الضحية.
