الحياة السياسية… صمام أمان الدولة

الحياة السياسية - سليمان مهنا

بقلم: د. سليمان مهنا

هناك خطأ يتكرر في تجارب الدول الخارجة من الصراعات، وهو الاعتقاد بأن تأجيل الحياة السياسية يضمن الاستقرار.

تبدو الفكرة، للوهلة الأولى، منطقية، فالدولة الخارجة من حرب تحتاج إلى الأمن، وإلى إعادة بناء مؤسساتها، وإلى استعادة الخدمات والاقتصاد. لكن التجارب المقارنة تثبت أن الأمن والسياسة ليسا خيارين متعارضين، بل إن أحدهما يعزز الآخر.

لقد دفعت دول كثيرة ثمناً باهظاً لأنها أخرت بناء الحياة السياسية، فوجدت نفسها أمام مجتمعات تبحث عن بدائل للتعبير، مرة عبر السلاح، ومرة عبر العصبيات، ومرة عبر الولاءات العابرة للحدود.

فالإنسان كائن سياسي بطبيعته، وإذا لم يجد مساحة شرعية للتعبير عن مصالحه وأفكاره، سيبحث عنها في فضاءات أخرى، قد تكون أقل انضباطاً وأكثر خطورة.

وهذا ما تؤكده تجارب الانتقال السياسي في العالم. فإسبانيا، بعد نهاية حكم فرانكو، لم تتجه إلى استبدال حزب واحد بحزب آخر، وإنما فتحت المجال لتعدد الأحزاب والتيارات تحت مظلة دستور جامع، فانتقل الصراع من الشارع إلى البرلمان، ومن القوة إلى صناديق الاقتراع. وكذلك فعلت دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الأنظمة الشيوعية، وجنوب أفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري، إذ أدركت جميعها أن الاستقرار لا يتحقق بإلغاء السياسة، وإنما بتنظيمها، وأن الوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوة بل تُبنى بالمشاركة.

أما سوريا اليوم فهي تقف أمام لحظة مشابهة، وإن كانت أكثر تعقيداً. فالمطلوب ليس مجرد إصدار قانون للأحزاب، بل إعادة بناء الثقافة السياسية التي دمّرها الاستبداد. فالقانون وحده لا يصنع حياة سياسية، إذا بقي المجتمع يخشى الاختلاف، أو ينظر إلى المعارضة باعتبارها خصومة مع الدولة، أو يرى في كل رأي مستقل تهديداً للوحدة الوطنية.

إن الدولة القوية ليست تلك التي تمنع السياسة، بل تلك التي تحتضنها وتنظمها. فالأحزاب القانونية، والتيارات الفكرية، والنقابات المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني، ليست مراكز منافسة للدولة، بل مؤسسات وسيطة بينها وبين المجتمع، تمتص التوتر، وتنقل المطالب، وتدير الخلاف ضمن قواعد متفق عليها. ولذلك فإن وجودها يخفف الضغط عن الدولة، بدل أن يزيده.

إن أول خطوة في بناء سوريا الجديدة هي الفصل الواضح بين الدولة والسلطة، وبين الوطن والحكومة. فالدولة ملك لجميع مواطنيها، أما السلطة فهي إدارة مؤقتة تتغير بالإرادة الشعبية. وحين يترسخ هذا المفهوم، يصبح من الطبيعي أن تختلف مع الحكومة دون أن تختلف مع وطنك، وأن تعارض السياسات دون أن تُتَّهم بمعاداة الدولة.

وفي هذا السياق، ينبغي أيضًا التمييز بين الحزب السياسي والتيار السياسي. فالحزب أداة تنظيمية، لها برنامج وقيادة وتسعى إلى المنافسة على السلطة عبر الوسائل الديمقراطية. أما التيار فهو فضاء أوسع للأفكار والرؤى، قد يضم مثقفين وأكاديميين ونشطاء وشخصيات عامة، ويشكل البيئة التي تنمو منها الأحزاب نفسها.

فالمجتمعات لا تنتج أحزاباً قوية بقرارات حكومية، بل تنتجها عبر حراك فكري واجتماعي مستمر.

لذلك فإن وجود تيارات وطنية متعددة ليس ترفاً، بل ضرورة لإغناء النقاش العام، وصناعة القيادات، وتقديم بدائل حقيقية أمام المواطنين.

ولعل أخطر ما ورثته سوريا عن عقود الاستبداد هو غياب هذه المؤسسات الوسيطة. فالمواطن اعتاد أن تكون علاقته مباشرة مع السلطة، يطالبها ويخاصمها ويحتج عليها، من دون وجود أحزاب قوية أو نقابات مستقلة أو تيارات سياسية قادرة على تنظيم هذا الحراك. ولذلك كانت الأزمات تتحول سريعاً إلى مواجهات حادة، لأن المجال السياسي الذي يستوعبها كان غائباً.

إن بناء الحياة السياسية اليوم يجب ألا يكون استجابة لضغوط خارجية، ولا مجرد استكمال لشكل الدولة الحديثة، بل ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءً من منظومة الأمن الوطني. فكل حزب وطني يعمل تحت سقف الدستور، وكل تيار يعبر عن أفكاره بحرية ومسؤولية، وكل انتخابات نزيهة تمنح الناس فرصة للتغيير السلمي، هي أدوات لحماية الدولة من الاحتقان، وليست تهديداً لها.

وفي المقابل، ينبغي الحذر من الخلط بين التعددية السياسية والتشظي السياسي.

فالتعددية تقوم على التنافس بين مشاريع وطنية مختلفة، أما التشظي فيقوم على انقسامات الهوية والانتماءات الضيقة. الأول يبني الدولة، والثاني يضعفها.

ولهذا، فإن المطلوب ليس فتح الباب أمام أي تنظيم كيفما كان، بل بناء قواعد دستورية وقانونية واضحة تضمن أن تكون الأحزاب ذات برامج وطنية، وأن يكون معيار التنافس هو الكفاءة والرؤية والسياسات العامة، لا الطائفة أو المنطقة أو العشيرة أو الاصطفاف الخارجي.

لقد آن الأوان لأن تنتقل سوريا من مرحلة إدارة المجتمع إلى مرحلة تمكين المجتمع، فالدولة الحديثة لا تحتكر السياسة بل ترعاها، ولا تخشى التعدد بل تنظمه. ولا ترى في المعارضة خصماً، بل شريكاً في تصحيح المسار.

وعندما يصبح تداول الأفكار أكثر أهمية من تداول الاتهامات، والتنافس على خدمة المواطن بديلاً عن التنافس على احتكار السلطة، يمكن لسوريا أن تبدأ فعلاً ببناء جمهورية تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والتعددية المسؤولة. فالدول لا تقوى بإسكات الأصوات، بل ببناء مؤسسات تمنح كل صوت مكانه المشروع داخل الوطن.

لقد نجح الاستبداد في إقناع السوريين بأن السياسة هي المشكلة، بينما الحقيقة أن غياب السياسة كان أحد أكبر أسباب المأساة. واليوم، لن يُقاس نجاح سوريا بعدد المؤسسات التي تعيد بناءها، بل بقدرتها على إعادة بناء الإنسان المواطن، الإنسان الذي يشارك، ويختلف، وينظم نفسه بحرية، ويؤمن بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الدولة لا تكتمل إلا بمجتمع حيّ، والسياسة هي نبض هذا المجتمع، لا عدوه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *