بقلم: أ. خليل صمادي
قبل العيد بيوم كنا ننطلق في أزقة المخيم وننشد:
اليوم الوقفة وبكرة العيد وحضر حالك يا سعيد.
ومن فرحتنا كناقبل أن ننام نضع ألبسة العيد الجديدة تحت المخدة.
وفي صباح العيد نقول:
اليوم العيد وبنعيد .
وبندبح بقرة السيد.
والسيد مالو بقرة .
وبندبح بنته هالشقرا.
والشقرا ما فيها دم.
بندبح بنته بنت العم.
كنت صغيرًا لم أبلغ السادسة، أظن ذلك عام ١٩٦٢ يوم اصطحبني والدي واخواي من مخيم اليرموك إلى مصلى العيد في آخر خط المهاجرين بدعوة من الشيخ ناصر الدين الألباني، لم تسعفني الذاكرة لطول العهد ولكنني أتذكر جموع الناس والتكبيرات والصلاة وطريق العودة ومعايدة الناس.
لم يكن بالمخيم إلا جامع واحد وهو مسجد عبد القادر الحسيني ، وبعد سنوات بدأت حركة بناء المساجد فصارت أكثر من ١٥ مسجدا، كلها تقام بها صلوات العيد قبل الثورة.
بعد أن كنت في الصف الرابع صرت أكثر وعيا فكنا نذهب إلى شارع اليرموك حيث الأكلات الطيبةوالمراجيح والألعاب كنا نركب الأرجوحة بفرنك أي خمسة قروش وننشد بشكل جماعي:
يا ولاد محارب : يويا.
شدوا القوالب : يويا.
قوالب صيني : يويا
متل الفليني: ….
علي ما مات .
خلف بنات
بناتو سود.
متل القرود….
ولم أدر كيف دخلت هذه الأغاني إلى طفولتنا؟
كنا نفرح بالعيديات التي نجمعها من الأقارب وهي عبارة عن فرنك أو فرنكين.
لم تكن الساحات منتشرة في المخيم، كنا نذهب إلى شرق شارع فلسطين من أوله حيث كنا نسميها (ورا الدور) والممتدة الآن من جامع البشير إلى سوق الخضار _ والآن أضحت مباني لمؤسسة الإسكان مع ثانوية عائشة_ حيث كانت هناك الألعاب والمراجيح وخيمة فيها النيص الذي أكل بياع الحلاوة على طريق جوبر والفرجة بفرنك، واكلات شعبية مثل الفول والبليلة والهلطية وغيرها وألعاب بعضها محرم بالنرد مثل كله يربح والسبعة تخسر ، أو السحبة وأنت حظك!
والمحظوظ من الأطفال من يركب على حصان أشهب او بغل قوي يستغل هذه الحيوانات بائعو المازوت لجلب الأموال .
أذكر ان خالي جميل اللبابيدي _ رحمه الله _ زارنا وأعطاني وإخوتي الستة ليرة سورية ورقية جديدة _ حيث كان خالي يشتغل محاسبا في الخطوط الجوية الكويتية _ ففرحنا كثيرا وبعد ذهاب خالي انطلقنا إلى دكان أبي إبراهيم الصفوري وصرفناها فراطة وتم توزيعها على الجميع.
كان في المخيم سينما الكرمل وسينما النجوم وكان الدخول بأقل من نصف ليرة وفي العيد تزدحمان بالأطفال لمشاهدة الأفلام واعتقد أنني شاهدت فيلم الفلسطيني الثائر لغسان مطر عام ١٩٦٩ او ١٩٧٠ أكثر من مرتين.
كنا ننام مبكرين حتى نصحو في اليوم التالي نشيطين نمارس الألعاب ونلم العيديات.
كنا نحزن عند غروب آخر يوم من أيام العيد كحزننا عندما نسلم على الأقارب دون أن يعيدونا بفرنك أو نصف فرنك.
بعد أن تجاوزت طفولتي تطور المخيم وصارت ساحة أبي حشيش كأنها مدينة ملاهي للأطفال وبعد عام ١٩٨٠ أضيفت أيضا ساحة الريجة القريبة من بيتي.
وأدعو الله أن يعود المخيم بعد محنته إلى سابق عهده.
وكل عام وأنتم بخير.

وصف جميل ودقيق. ما زلت أذكر أيام ذلك الزمن الجميل. في أواسط السبعينات كانت شوارع المخيم تزدحم بسيارات تحمل أرقام خليجية تعود ملكيتها لأهل المخيم الذين أتوا لقضاء عطلة العيد مع أهلهم. مشاهد سرور وحبور على الرغم من بساطة الحياة حينها. والمشاوي والفلافل والمخللات كانت تفوح رائحتها في ساحات العيد، زد عليها المفرقعات. عسى أن تعود تلك الغبطة وذلك الفرح رغم آلام الفراق ومأساوية المشهد الحالي.