بقلم: الصحفية راما خليل
في الخامس عشر من أيار، لا يستعيد الفلسطينيون ذكرى حدثٍ مضى، إنما يقفون أمام واقعٍ ما يزال يتكرّر بأشكال مختلفة منذ ثمانية وسبعين عاماً. فالنكبة لم تكن مجرّد محطةٍ تاريخية انتهت بانتهاء الحرب عام 1948، إنما بداية مشروع اقتلاعٍ طويل استهدف الإنسان والأرض والرواية معاً.
حينذاك، هُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم تحت وطأة المجازر والخوف، ودُمّرت قرى كاملة، فيما تحوّلت العائلات إلى لاجئين يحملون مفاتيح منازلهم على أمل العودة القريبة. غير أنّ ما بدا في ظاهره نزوحاً مؤقتاً، تحوّل مع الزمن إلى واحدة من أطول المآسي الإنسانية والسياسية في العصر الحديث.
أدوات الاقتلاع تتغيّر… والغاية واحدة
لم تتوقف النكبة عند حدود التهجير الأول، إنما أعادت إنتاج نفسها بأدوات أكثر تعقيداً وتنظيماً. فالاستيطان ما يزال يتمدّد، والأراضي تُصادر، والمنازل تُهدم، فيما يُدفَع الفلسطيني يومياً إلى مواجهة أشكال متعددة من التضييق والإقصاء.
وإذا كانت النكبة في بدايتها قد ارتبطت بالقوة العسكرية المباشرة، فإنها اليوم تُمارَس عبر سياسات طويلة الأمد تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا والهوية والوعي. وكأن المطلوب لم يعد فقط انتزاع الأرض من أصحابها، إنما أيضاً تفكيك علاقتهم بها، ودفعهم تدريجياً نحو الشعور بالعجز أو النسيان.
لقد تبدّلت الأدوات، غير أنّ الجوهر بقي ثابتاً: فرض واقعٍ يُقصي الفلسطيني عن أرضه وتاريخه وحقّه الطبيعي في الوجود.
معركة الرواية والذاكرة
أدرك الفلسطيني منذ عقود أنّ الصراع لا يدور على الأرض وحدها، إنما على الرواية أيضاً. ولذلك لم تكن محاولات طمس الذاكرة الفلسطينية أمراً عارضاً، بل جزءاً أساسياً من معركةٍ تهدف إلى إعادة صياغة التاريخ وتبرير الاقتلاع.
فالكلمات ليست محايدة دائماً، والإعلام لم يعد مجرّد وسيلة نقلٍ للأحداث، إنما أداة قادرة على تشكيل الوعي العالمي وتوجيهه. ولهذا، ظلّ الفلسطيني متمسّكاً بحكايته، يورّث أسماء القرى لأبنائه، ويحفظ تفاصيل المكان كما تُحفَظ الهوية.
إنّ المفتاح الذي يحتفظ به اللاجئ الفلسطيني ليس رمزاً عاطفياً فحسب، إنما وثيقة انتماء، وشهادة حيّة على وطنٍ لم يسقط من الذاكرة رغم محاولات الطمس والتزييف.
النكبة بوصفها واقعاً يومياً
من مأساةٍ عابرة إلى واقعٍ مستمر
إن أخطر ما في النكبة المعاصرة أنّها لم تعد تُرى دائماً بوصفها مأساة استثنائية، إنما تحوّلت في نظر كثيرين إلى “واقع اعتيادي” بفعل تكرار المشهد واستمرار الصمت الدولي.
فالتهجير حين يتكرّر، والحصار حين يطول، والقتل حين يصبح خبراً يومياً، يفقد في أعين العالم شيئاً من وقعه الإنساني، رغم أنّ معاناة الفلسطيني لم تتراجع يوماً. وهنا تكمن خطورة اعتياد الظلم؛ إذ يتحوّل الألم الإنساني مع الوقت إلى مشهدٍ مألوف، لا يثير من ردود الفعل ما يوازي حجمه الحقيقي.
ومن هنا تبرز مسؤولية الإعلام والثقافة والوعي الجمعي، في إبقاء الحقيقة حيّة، وفي مواجهة محاولات تحويل القضية الفلسطينية إلى ملفٍ سياسيّ مجرّد من بعدها الإنساني والتاريخي.
النكبة لم تصبح ماضياً
بعد ثمانية وسبعين عاماً، يتّضح أنّ النكبة لم تنتهِ كما أراد لها البعض أن تُختزل في كتب التاريخ، إنما ما تزال مستمرة بأشكال مختلفة، تتبدّل فيها الوسائل وتبقى الغاية واحدة.
وما دام الفلسطيني يُهجَّر من أرضه، ويُحرَم من حقوقه، ويُطالَب بالتخلّي عن روايته وهويته، فإنّ النكبة تبقى قائمة، مهما تغيّرت المسميات السياسية أو تبدّلت أدوات السيطرة.
ورغم امتداد النكبة ثمانية وسبعين عاماً، فإنها لم تنجح في إطفاء حقٍّ أو محو ذاكرة. فكلما طال الألم، ازداد حضور الأمل كفكرةٍ لا تُهزم، وكإيمانٍ بأن العدالة، وإن تأخرت، لا تسقط.
