بقلم: سامي الحمزاوي
لم يكن صباح السابع عشر من كانون الأول يوماً عادياً في #مخيم_اليرموك. كان يوماً ثقيلاً، كأن السماء قررت أن تسقط على صدورنا دفعة واحدة. بعد مجزرة ارتكبها الطيران الحربي للنظام السوري، تغيّر كل شيء. لم نعد نرى المخيم كما عرفناه، ولم يعد هو المكان الذي نشأنا فيه.
الليلة التي سبقت ذلك الصباح ما زالت تسكنني حتى الآن. بعد ضربة الميغ، لم ينم اليرموك. القذائف كانت تتساقط بلا انقطاع، كأنها تمطر موتاً فوق البيوت، فوق الذكريات، فوق أسماء الشوارع التي كنا نحفظها عن ظهر قلب. في تلك الليلة، فهم الناس أن البقاء لم يعد شجاعة، وأن الرحيل صار محاولة أخيرة للنجاة. لم تكن الضربة وحدها هي السبب، بل ذلك القصف الجنوني الذي أراد كسر كل من بقي. ومع أول ضوء نهار، بدأ المخيم يفرغ من روحه.
في صباح 17/12/2012، خرج ما يقارب ثمانين بالمئة من أهالي اليرموك. خرجوا مشياً، وبالسيارات، وبأي وسيلة يمكنها أن تحملهم بعيداً عن الموت. خرجوا بلا وجهة، بلا وداع حقيقي، وبقلبٍ معلّق خلفهم.
نحن أيضاً كنا جزءاً من هذا المشهد، لكن حكايتنا بدأت قبل ذلك بقليل. كنا قد نزحنا من بيتنا على أطراف المخيم إلى داخله، على أمل أن تكون أياماً ونعود. كنا نُقنع أنفسنا أن الأمر مؤقت، وأن البيوت لا تُترك بهذه السهولة. لم نكن نعلم أن تلك الخطوة كانت أول وداع.
أتذكر لحظة القرار. لم يكن سهلاً، لحظة لا توصف. كنت أنظر إلى عائلتي وهم يراقبون الناس تخرج من بيوتها. أقرأ في عيون أبي وأمي وأخوتي خوفاً لا يُقال، وحيرة لا تجد كلمات. السؤال كان يطوف بيننا بصمت:
نخرج… لكن إلى أين؟
في النهاية، خرجنا. خرجنا ونحن لا نعرف الطريق، ولا ما ينتظرنا في آخره. بعد تفكير طويل، قادتنا الخطوات إلى أقارب لنا في مخيم سبينة.
جمعنا ما استطعنا حمله، وتركنا خلفنا ما لا يُحمل: البيت، الحي، التفاصيل الصغيرة. نزلنا إلى الشارع، وسرنا مع قوافل النازحين. وجوه كثيرة، قصص متشابهة، وخطى واحدة تبتعد عن اليرموك ولا تلتفت.
وصلنا إلى سبينة، وبقينا هناك يوماً واحداً فقط. يومٌ كان كافياً لنفهم أن النزوح لا محطة له. بعدها انتقلنا إلى أحد أحياء دمشق… وهناك، لم تبدأ حياة جديدة، بل بدأت معاناة أطول.
