في أزقة دمشق القديمة، وتحديداً في حيّ الميدان، لم يكن محمد بن طه الأشمر مجرد شيخ يتلقى العلم ويُدرّسه، بل كان مشروع ثورة يمشي على قدمين، من حلقات الفقه والتصوف، إلى ساحات النار في ميسلون والغوطة، رسم مساراً نادراً لرجلٍ اختار أن يكون الدين فيه موقفاً لا مجرد خطاب.
هذه ليست سيرة مجـ.ـاهد حمل السلاح فحسب، بل حكاية رجل رفض أن ينفصل عن زمنه؛ فقاتل في الثورة السورية الكبرى، ثم عبر الحدود ليواصل المعركة في الثورة الفلسطينية الكبرى، وكأنّ قضيته لم تكن أرضاً واحدة، بل أمةً كاملة.
فمن هو الشيخ الذي حاصر قصر العظم، وكاد يكتب نهاية المندوب السامي الفرنسي؟ وكيف تحوّل من طالب علمٍ إلى أحد أبرز وجوه المقـ.ـاومة في الشام وفلسطين؟
وُلد محمد الأشمر في حيّ الميدان بدمشق، ونشأ في بيئة دينية محافظة، غير أن هذا التكوين لم يدفعه إلى العزلة، فمع أول اختبار حقيقي، كان في صفوف المقـ.ـاومين خلال معركة ميسلون عام 1920م، ضد المحتل الفرنسي.
بعد ميسلون، شارك في تنظيم المظاهرات في الميدان، فلاحقته السلطات الفرنسية، فلجأ إلى حوران واتخذ من الغارية الشرقية مقراً له، ومع اندلاع الثورة السورية الكبرى (1925–1927)، دخل مرحلة أكثر تنظيماً، فكان عضواً في المجلس الحربي يعمل على تأمين السلاح والتمويل للثوار.
برز دوره في معارك الغوطة؛ حين هاجم الثوار قرية جسرين في أكتوبر 1925م وأسروا جنوداً فرنسيين، ثم وقعت معركة زور المليحة حيث تمكن ورفاقه من فك الحصار والتقدم نحو الضمير، وشارك في الهجوم على قصر العظم، مقر المندوب السامي الفرنسي، وكادت العملية أن تقلب موازين المواجهة لولا فرار الأخير في اللحظة الأخيرة.
وفي ديسمبر 1925م خاض معركة يلدا، حيث واجه الثوار حملة فرنسية ضخمة تضم أكثر من 2000 جندي و12 دبابة، وألحقوا بها خسائر فادحة تجاوزت 600 قتيل، ثم جاءت معركة الميدان في مايو 1926م، حين قاتل نحو 100 مجـ.ـاهد داخل الحي مواجهين قوات كبيرة مدعومة بالمدفعية، واستشهد 57 منهم بعد ساعات من القتال العنيف.
الجهاد في فلسطين
لم تكن سوريا هي المحطة الوحيدة للشيخ الأشمر، فقد شارك في الثورة الكبرى في فلسطين سنة 1936 ودخل على رأس مجموعة من المجاهدين السوريين وانضم إلى قوات الثوار المحليين والقوات العربية التي دخلت فلسطين بقيادة فوزي القاوقجي، حيث نشط الأشمر في مثلث نابلس، وخاض عددًا من المعارك خلال 40 يوم قضاها هناك، أهمها معركة بلعا الثانية التي انتهت بانهزام الانجليز وسقوط عشرات القتلى منهم وإسقاط طائرات، إضافة إلى ذلك شارك في معركة “جمع” في سفح جبل ياصيد ومعركة “بيت امرين”.
انسحب محمد الأشمر وجماعته إلى سوريا لما توقفت أعمال الثورة في فلسطين إثر نداء الملوك والرؤساء العرب في الثاني عشر من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1936، لكن فلسطين ظلت مرتبطة بقلبه وعقله.
توفي في دمشق 3 مارس 1960م، ورثاه مصطفى السباعي فقال: “كان الأشمر مثالاً للمجـ.ـاهد الشجاع الجريء الذي يقتحم غمار الموت ويهزأ بالأخطار تسعى بين يديه ومن خلفه”
المصادر:
عبد الغني العطري – موسوعة أعلام ومواقف
أدهم الجندي – تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي
المجـ.ـاهد الصامت الشيخ محمد الأشمر ـ سيرته وجهاده
نقلاً عن تاريخنا
