بقلم د. سليمان مهنا
في خضم التحولات المتسارعة التي تعيشها المنطقة، عادت القضية الفلسطينية لتفرض نفسها بقوة على الشارع العربي، لا بوصفها ملفاً سياسياً فحسب، بل كقضية وجدانية متجذّرة في الوعي الجمعي. وفي هذا السياق، شهدت ساحات وشوارع الجمهورية العربية السورية خلال الأيام الماضية حراكاً شعبياً لافتاً، جاء تفاعلاً مع قانون إعدام الأسرى الذي أقرّه الكنيسـ ـت الإسـ ـرائـ ـيلي، في خطوة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار. هذا الحراك لم يكن معزولاً عن السياق التاريخي لموقف السوريين من القضية الفلسطينية، بل بدا امتداداً طبيعياً له. غير أن هذا المشهد التضامني سرعان ما تداخل مع تطورات مقلقة، أبرزها حادثة الاعتداء على السفارة الإماراتية في دمشق، وما رافقها من تصاعد خطاب الاتهام والتعميم، الذي طال فئة محددة: فلسطينيي سوريا.
إن التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية ليس فقط حقاً مشروعاً، بل يمكن اعتباره واجباً أخلاقياً وإنسانياً، ما دام يمارس ضمن الأطر السلمية والقانونية. ومن غير المقبول اختزال هذا الحراك أو التعامل معه بوصفه مصدر تهديد أو شبهة. بل إن ما جرى على الأرض يشير بوضوح إلى أن هذه التحركات، رغم عدم الدعوة الرسمية لها، جرت في كثير من الأحيان تحت أعين الأجهزة المعنية، بل وبحضورها، في مشهد يعكس درجة من التسامح أو على الأقل عدم التصادم المباشر معها. وهذا بحد ذاته يفتح الباب أمام قراءة أوسع، تتعلق بإشارات سياسية محسوبة في ظل تحولات إقليمية معقدة، دون الانزلاق إلى تبني تفسيرات تبسيطية أو نظرية مؤامرة جاهزة.
في المقابل، لا يمكن تبرير أو القبول بأي اعتداء على البعثات الدبلوماسية، لما يمثله ذلك من مساس بهيبة الدولة وانتهاك واضح للقانون. غير أن التعامل مع هذه الحوادث يجب أن يكون ضمن إطارها الطبيعي كتصرفات فردية، لا يجوز تعميمها أو تحميلها دلالات تتجاوز حجمها. فكل حراك شعبي، مهما بلغ من التنظيم، يظل عرضة لانفلاتات جزئية لا يمكن السيطرة عليها بالكامل. والخطورة تكمن في تحويل هذه التجاوزات إلى ذريعة لبناء سرديات اتهامية شاملة، أو ربطها بأجندات خارجية دون أدلة واضحة.
وهنا تحديداً يبرز الخلل الأكبر: محاولات التعميم وتحميل اللاجئين الفلسطينيين في سوريا مسؤولية جماعية عن أحداث معزولة. هذا الطرح لا يستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي، بل يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة، ويهدد بشكل مباشر السلم الأهلي. فالفلسطينيون في سوريا لم يكونوا يوماً كياناً منفصلاً عن محيطهم، بل شكّلوا على مدى عقود جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي السوري، تقاسموا معه الأفراح والمآسي، وقدموا ضمنه تضحيات لا يمكن إنكارها. وبالتالي، فإن تصويرهم كجسم غريب أو كخطر محتمل، يفتح الباب أمام ممارسات تمييزية خطيرة، ويغذي انقسامات لا تخدم أحداً.
يبقى السؤال الأهم: من المستفيد من شيطنة الفلسطيني السوري في هذا التوقيت تحديداً؟ إن توجيه الاتهامات وتحميل هذه الفئة ما لا تحتمل، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقات أوسع، قد تتقاطع فيها مصالح جهات تسعى إلى ضرب العلاقة التاريخية بين السوريين والفلسطينيين، أو إلى خلق حالة من الاحتقان الداخلي. فإضعاف هذا النسيج الاجتماعي، وإشاعة الشكوك بين مكوناته، هو المدخل الأسهل لأي مشروع يسعى إلى زعزعة الاستقرار أو إعادة إنتاج الأزمات.
ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة التأكيد على حقيقة بديهية: الفلسطينيون اللاجئون في سوريا هم جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري، ولا يجوز التعامل معهم كملف أمني أو عبء طارئ. بل إن مسؤولية الدولة والمجتمع تقتضي العمل الجاد على معالجة قضاياهم العالقة، التي طال أمدها دون حلول حقيقية. فملفات مثل التملك العقاري، ووضع الإقامات للاجئين ما بعد عام 1956، وإعادة إعمار المخيمات المدمرة، لا تزال مفتوحة، وتشكل عبئاً يومياً على هذه الفئة. يضاف إلى ذلك التدهور المعيشي الحاد، الذي تفاقم مع الأزمة المالية التي تعانيها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والتي لم تعد قادرة على تقديم الحد الأدنى من خدماتها، في ظل غياب بدائل واضحة.
إن تجاهل هذه القضايا، أو تأجيل معالجتها، لا يؤدي فقط إلى تعميق معاناة الفلسطينيين في سوريا، بل يخلق أيضاً شعوراً متزايداً بالعزلة والتهميش، قد تستغله جهات مشبوهة لمحاولة دق إسفين بين هذه الفئة ومحيطها. وهو ما يجعل من المعالجة الشاملة، التي تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والإنسانية، ضرورة ملحّة، لا ترفاً سياسياً.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية الشفافية في التعامل مع الأحداث الأخيرة، من خلال تحقيقات واضحة وصريحة، تكشف ملابسات ما جرى للرأي العام، وتضع حداً لسيل الشائعات والتكهنات. فغياب المعلومة الدقيقة يفتح المجال واسعاً أمام التأويلات، التي قد تتحول إلى أدوات للتحريض أو التشويه. كما أن من الضروري التوقف عن الترويج لخطاب يربط بين دعم القضية الفلسطينية وتهديد استقرار سوريا، وهي معادلة زائفة لا تصمد أمام أي تحليل موضوعي.
إن إعادة تصدير ملف فلسطينيي سوريا بوصفه ملفاً أمنياً بحتاً، يعالج حصراً عبر المقاربة الأمنية، يمثل عودة إلى أساليب انتهجها النظام البائد وثبت فشلها في الماضي. فاختزال هذه الفئة في بعدها الأمني، والتعامل معها كـ”ورقة” يجب ضبطها أو احتواؤها، يعيد إنتاج نفس النهج الذي ساهم في تعقيد المشهد بدل حله، (ربما هناك من يغذي هذا التوجه لمآرب شخصية أو على الأقل لضيق أفق وعدم تقدير مآلات الأمور)، ولعل الجهات المعنية ومع تزاحم وتراكم المشكلات تستسهل الحلول الأمنية، مع أن البديل المنطقي هو مقاربة مدنية شاملة، تضع الفلسطيني في موقعه الطبيعي كمواطن مقيم له حقوق وعليه واجبات، ضمن إطار القانون، وتمنح المؤسسات المدنية الدور الذي تستحقه في إدارة هذا الملف.
إن العدالة، والمسؤولية، والسلم الأهلي، وحماية الدولة والمجتمع، ليست شعارات تُرفع في الخطابات، بل مبادئ يجب أن تنعكس في السياسات والممارسات. والفلسطيني السوري، كما كان دائماً، ليس خارج هذه المعادلة، بل في قلبها. الدفاع عنه هو في جوهره دفاع عن تماسك المجتمع السوري نفسه، وعن قدرته على مواجهة التحديات دون أن ينكسر من الداخل.
