في خطورة نهج الإسكات المتبادل

أيمن-فهمي-أبو-هاشم-3

بقلم: أ. أيمن فهمي أبو هاشم

منذ أن خرجت الشعوب العربية إلى الشوارع والميادين في زمن الثورات والانتفاضات العربية، انبرت أبواق الأنظمة المُهدَّدة بالزوال على وقع صيحات الغضب ومطالب الخلاص، لصبغ المظاهرات والمشاركين فيها من كل الأجيال والفئات، بتهم جاهزة ومحبوكة، تارةً بأنهم “عملاء ينفذون أجندات غربية وخليجية” وتارةً أخرى بأنهم “إسلاميون من وهابيين وأخوانيين وسلفيين”.

وبدلاً من النقاش الجوهري حول ضرورات التغيير ومتطلباته في دول أرهقها الاستبداد والفساد والفشل، وكيفية تنظيم أشكال الحراك الثوري في تلك الدول لإعادة بناء نظامها السياسي ومؤسساتها، بما يحقق العدالة ويصون الحريات ويضمن سيادة القانون، دخلنا في معمعة طويلة وعريضة، تكاتفت فيها القوى المتضررة من نزعات التغيير الصادقة، لتوجيه سهام التشكيك والطعن بحق مبدأ التظاهر السلمي من أصله، لأنه التعبير الحقيقي عن مطالب الناس المقهورة وتطلعاتها.

وحين جوبهت المظاهرات كما في حدث في سوريا، بالرصاص والقمع، ودخلنا في مرحلة العسكرة والأسلمة، خرجت الأبواق نفسها للتأكيد على صوابية اتهاماتها التخوينية. ولم يكن مهماً لها أو ذي قيمة التساؤل الحارق عن دور النظام نفسه في رفض الإنصات إلى مطالب المتظاهرين المشروعة، ودوره الموازي في دفع ضحايا قمعه العاري إلى حمل السلاح في مواجهته، وأكثر من ذلك استفادته من دخول جهات خارجية عديدة لتغذية العنف والفوضى، وإدخال البلد في صراع دموي لسنوات عديدة.

دائماً كانت سردية “تطييف الثورات، ودمغها بالإرهاب” حتى في أوج المظاهرات السلمية، هي الورقة التي يرفعها عتاة الدفاع عن “الاستقرار ومواجهة المؤامرات الكونية”، ويستخدمونها لإسكات أصحاب الحقوق المسلوبة وأبسطها حق التظاهر وكسر جدار الخوف.

ما كان يُسهّل ويساعد على ذلك زج فلسطين من أتباع إيران ومحورها في متن سردية الكذب والتضليل، وكأن الثورة السورية انطلقت كي تعرقل طريقهم إلى تحرير القدس كما زعموا.

وعندما تخرج اليوم مظاهرات في سوريا بعد سقوط النظام البائد، تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين، وتعبيراً عن الغضب المكبوت من استباحات العدو المتكررة للأراضي السورية، واحتلال أراضي جديدة منها بصورة مُهينة للكرامة الوطنية، تخرج علينا أبواق بلبوسٍ آخر لطالما كانت ترى في سردية أبواق الأسدية البائدة باطلاً محضاً لأنها تطمس أصل الحقيقة وهي مشروعية الثورة، ومشروعية التظاهر وحق التعبير.

لكن حين يخرج الشعب السوري في زمن الدولة الجديدة وبهذه الحشود الكبيرة، لإعلان تضامنهم الحقيقي مع فلسطين وضد الجرائم والاعتداءات الصهيونية السافرة، يرتدون إلى أعقاب نظرائهم السالفين، ويعتبرون تلك المظاهرات تكراراً ممجوجاً تحت رايات إسلامية للاستثمار بفلسطين وقضيتها لمصالح غير بريئة.

ولذلك ينكر هؤلاء، ومنهم بعض ثوار الأمس، مبدأ التظاهر حين يتعلق بالتنديد بجرائم العدو سواء في فلسطين أو سوريا، مع أنه في ظل الواقع السوري الصعب والمعقد ليس المطلوب الآن أكثر من رفع الصوت كرسالة شعبية قوية.

لكن هذه الأبواق الجديدة تجد ضالتها لإسكات صوت الشعب الغاضب، من خلال تصيدها في أخطاء وتصرفات بعض المتظاهرين أو مجموعات منهم، وتحميلها أبعاداً مؤامراتية تخدم نفس المحور الإيراني الذي يعادونه، لأنه كان يروج اتهامات العمالة بالثورة السورية وجمهورها لأنهم لا يكترثون بفلسطين.

أما إذا كان التظاهر متعلقاً بمن هم ضد قرار منع الخمور أم المحتجين عليه، فهو تظاهرٌ مشروع، وهو كذلك حقاً، لكن هذا يدل بنفس الوقت على تناقضٍ صارخ.

فمن يؤمن بحق التظاهر كحق مكفول في سوريا الجديدة؛ عليه أن لا ينقلب عليه حين يكون المطلوب إسكات من يمارسون هذا الحق.

ومن يخرج عن أصوله القانونية، كالحادثة التي قام فيها مجموعة من الشباب بالتهجم على سفارة دولة الإمارات، فالحكومة هي المعنية والمسؤولة عن محاسبة من قاموا بذلك، سواء أكان منهم سوريين أم فلسطينيين.

ومن المعيب أن يلجأ المتهافتون إلى تعميم التهمة على فلسطينيي سوريا عامةً، وتوظيف ما جرى كعصا لإسكات أصحاب القضية وشركائهم.

وبالطبع، مثل تلك التصرفات المتهورة لا تنفي مسؤولية المبادرين والمؤثرين في تلك المظاهرات أيضاً باتباع الأسلوب الصحيح في إيصال رسالة التظاهر كما ينبغي.

بيد أن كل ذلك لا يجيز أن يُمسّ بأصل الحق في التظاهر وأصل الحق في التعبير.

أما الغمز من قناة مشاركة الإسلاميين من إخوان وغيرهم في هذه المظاهرات، واتخاذها دليلاً دامغاً على تسييس تلك المظاهرات؛ فهو تكرارٌ لنفس منطق الأبواق التي تتلطى خلف شعاراتها الديمقراطية والعلمانية الزائفة.

وهي نفسها التي تُصاب بالنفور والاشمئزاز حيال أي دور أو مشاركة للإسلاميين في هذه التظاهرات، وهو بحد ذاته ارتداد على القيم الديمقراطية التي تكفل حق الجميع بالتعبير عن آرائهم ومواقفهم.

فما حالنا بمجتمع ذات غالبية عربية مسلمة، وفلسطين وأقصاها ومآسي غزة تقبع في صميم وجدانه العام؟

حتى لو كان هناك من يريد تسييس المظاهرات؛ فإن مسؤولية الدولة أولاً أن تنظم الحياة السياسية بما يمنع نهج التسييس لأهداف حزبية حين يكون على حساب المصلحة الوطنية.

نهج الإسكات ليس بريئاً، وإن كان يتذرع بأخطاء وانحرافات يجب تصويبها، طالما أن ديدنه إسكات حق الناس الطبيعي بالتعبير عن قضاياها وتطلعاتها.

وعقلنة ممارسته ليس طريقها الإسكات، وإنما ضوابط القانون ومقتضيات الأمن والسلم الأهلي.

ومن باب التذكير بما يصلح للمقارنة في هذا السياق؛ في إحدى مظاهرات مدينة دورتموند الألمانية الداعمة لغزة في أوج حرب الإبادة عليها، حمل مجموعة شبان راية تنظيم “داعش”، واستغلها الإعلام الإسرائيلي ومعه بعض الإعلام الألماني لشيطنة المظاهرات التي بدأت تتزايد أعدادها في المدن الألمانية، بهدف “دعشنتها” وتخويف الناس من المشاركة فيها.

لكن باءت تلك المحاولات بالفشل، وأول من واجهها نشطاء ألمان وأجانب رفضوا استغلال حدث معين لاستهداف حق راسخ، وهو التظاهر المشروع من أجل قضية ساطعة في عدالتها.

لا عجب أن يتبادل السادرون في نهج الإسكات أدوارهم رغم مواقعهم الضدية، وإن انطوى ذلك على مفارقات تدعو للسخرية.

ويبقى أن ضمير الشعوب يعرف بحسه الصادق من يتاجر بفلسطين ومن ينتصر لها، ومن يريد الخير والاستقرار لسوريا، ومن يريد تكميم صوت شعبها حين يتضارب مع مصالحه وتخرصاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *